محمد بن عبد الله الصفار

102

رحلة الصفار إلى فرنسا

مما جعل كل محتوياته تكون مفضوحة وبالتالي عرضة للمشاهدة . إن هذا الانفتاح التام ، وما يترتب عنه من كشف عن أفراد العائلة وممتلكاتهم الموجودة داخل البيت حتى تكون عرضة للمشاهدين ، ليعتبر ظاهرة جديدة تختلف تماما عن الحماية التي توفرها الجدران المحيطة بالحياة العائلية في المغرب . وبعبارة أوضح ، فإن المفاهيم المتعلقة بجوانب الحياة العائلية الخاصة لا بد من مراجعتها في الإطار الخاص بفرنسا . إن قدرة الصفار على إدراك الحدود المجالية قد ارتبكت بشكل أكبر حينما بدأ استكشافه لمختلف جوانب الممارسات الاجتماعية . وعلى سبيل المثال ، أعجب محمد الصفار بالحمام فقدم عنه وصفا مطولا حين قال : « وفيه أيضا كذلك بيوت أخر من الخشب هي حماماتهم هنالك معدة للاستحمام بداخلها بيوت صغار بأغلاقها . وفي كل بيت حوض يملأ بالماء سخنا أو باردا أو بهما ليعتدل . . . وهذا حمامهم ، وليس عندهم حمام على شكل حماماتنا » « 1 » . وهناك جوانب أخرى أكد الصفار من خلالها على مدى خاصية الانعزال المحيطة بعملية الاستحمام فقال : « وذلك البيت مضى بطاقة كبيرة لها غلف من الزجاج ، عليه من داخل ساتر رقيق يمنع التكشف ولا يحجب الضوء » « 2 » . ويمكن المرء أيضا الاستحمام في غرفته ، فيطلب من الخدم إتيانه بالماء . وبعبارة أخرى ، فإن الحمام عند الفرنسيين مسألة خاصة صرفة ، تدخل ضمن تلك اللائحة المقتضبة من الأنشطة الجسدية الواجب على الفرد القيام بها بمعزل تام عن الآخرين إما من باب الحياء وإما من باب التواضع . أما في المغرب ، فإن الحمام يمثل فضاء مختلفا تماما عن كل هذا : إذ يتم الاستحمام في غرفة واسعة ومفتوحة لا توجد بها أية جدران تفرق بين مهاجع صغيرة وفردية . كما يمكن أن يستغرق الساعات الطوال ، ويشكل حدثا اجتماعيا مهما للفرد خلال يومه ذلك « 3 » . وقد يتبادل الناس الأخبار والوقائع المثيرة داخل الحمام ، كما قد يتحدثون فيه عن قضايا التجار والمال ، أو يضربون فيه المواعيد لتنفيذ بعض المشاريع البسيطة أو الهامة . أي أن طقوس الحمام تمثل تجربة اجتماعية جذابة للرجال والنساء على السواء ، رغما عن كونها تتم في جو من التفرقة الجنسية بين

--> ( 1 ) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب . ( 2 ) نفسها . ( 3 ) Rackow , Beitr ge , p . 7 .